الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
293
نفحات الولاية
ثم قال عليه السلام : « وصاد فتموها والله ، ظلًا ممدوداً إلى أجل معدود ، فالأرض لكم شاغرة « 1 » ، وأيديكم فيها مبسوطة ؛ وأيدي القادة عنكم مكفوفة ، وسيوفكم عليهم مسلطة ، وسيوفهم عنكم مقبوضة » . فهذه العبارات تبيّن أنّ الكلام هنا بخصوص فريق من المؤمنين من بقية الصحابة والتابعين الذين لم يتمالكوا أنفسهم حين الاختبار الإلهي ، فيميلون حيثما مالت الريح . فقد شغلتهم الدنيا وغرتهم بزينتها وزخرفها وبالطبع قد حصل هذا في وقت لم يسع الإمام عليه السلام حتى في زمان حكومته أن يصدهم عنه ؛ وذلك لأنّهم غرقوا في هذه الدنيا على عهد عثمان بالشكل الذي لم يبق معه من أمل لانقاذهم بسهولة . ثم هددهم عليه السلام ليعلموا أن المسألة ليست بهذه السهولة وهناك الحساب الذي ينتظرهم ، محذرهم قائلًا : اعلموا أنّ لكل دم شائراً ، ولكل حق طالباً : « ألا وإن لكل دم ثائراً ، « 2 » ولكل حق طالباً ، وإن الثائر في دمائنا كالحاكم في حق نفسه ، وهو الله الذي لا يعجزه من طلب ، ولا يفوته من هرب » . فإذا تأخر العذاب والانتقام الإلهي عن بعض العصاة المردة الذين يجاهرون بجناياتهم ، فهذا لا يعني نسيان هذه الأعمال الشائنة ، أو قدرة هؤلاء الجناة على الفرار من مخالب العدل الإلهي . والعبارة « إن الثائر في دمائنا . . . » تعني أنّ الثائر لدمائنا أهل البيت والتي تسفك بغير حق هو الله سبحانه وتعالى ، فهي تسفك في سبيل الله ومن أجل إعلاء كلمته ، فلا تشتمل هذه الدماء على جانب شخصي أو قبلي ، وقطعاً أن مثل هذا الثائر لا يعجزه شيء ، ولايفوته شيء وهو بالمرصاد .
--> ( 1 ) « شاغرة » من مادة « شغور » خالية . ( 2 ) « ثائر » من مادة « ثأر » على وزن قعر « وقد بُدلت الهمزة بألف . و « ثأر » تقرأ على وزن غار . وفي الأصل جاءت بمعنى الثأر والانتقام ، وتأتي أحيانا بمعنى الدم ، وهو كناية عن الثأر أيضاً . وتعبير « ثاراللّه » اطلق على الإمام الحسين والإمام على عليهما السلام « يا ثاراللّه وابن ثاره » ، ومعنى ذلك ان ثأر هذين الامامين لا يتعلق بعائلة أو قبيلة ، بل يرتبط باللّه سبحانه وتعالى وبكل بني الانسان في هذا العالم .